كبير محلّلي الأسواق المالية في FxPro
تشهد عوائد سندات الخزانة الأميركية ارتفاعاً ملحوظاً، في وقت تعيد فيه الأسواق تقييم مسار أسعار الفائدة بعد خطاب رئيس الاحتياطي الفدرالي كيفن وورش في جاكسون هول وصدور تقرير قوي للوظائف الأميركية. ويتزامن ذلك مع اقتراب الدين العام الأميركي من 40 تريليون دولار، ما يضيف ضغطاً طويل الأجل على سوق السندات وتكلفة الاقتراض الحكومي.
ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل عامين إلى نحو 4.37%، بعدما لامس 4.4246%، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025. كما صعد عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى قرابة 4.78%، بعد وصوله خلال التداولات إلى 4.812%. وتتحرك أسعار السندات وعوائدها في اتجاهين متعاكسين؛ فعندما يتوقع المستثمرون رفع الفائدة أو زيادة إصدارات الدين، تتراجع أسعار السندات وترتفع عوائدها.
وكان خطاب وورش في جاكسون هول نقطة التحول الرئيسية في توقعات الأسواق. فعلى الرغم من أنه لم يلتزم صراحة برفع الفائدة في سبتمبر، فإنه قدم تقييماً إيجابياً لأداء الاقتصاد الأميركي، مستنداً إلى متانة الإنفاق الاستهلاكي وتسارع استثمارات الشركات وارتفاع الأرباح. كما رأى أن أسواق الائتمان لا تظهر إشارات واسعة إلى أن السياسة النقدية الحالية تقيّد النشاط الاقتصادي بقوة.
هذه القراءة تعني أن الفدرالي لا يواجه حالياً ضغوطاً كبيرة لتخفيف سياسته بهدف دعم النمو. لذلك ركز وورش على الجانب الآخر من مهمة البنك المركزي، وهو استقرار الأسعار، مؤكداً أن التضخم لا يزال المشكلة الأكثر إلحاحاً.
فقد بلغ التضخم وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى الفدرالي، 3.7% على أساس سنوي، بينما
وصل المعدل المحسوب على أساس الأشهر الستة الأخيرة إلى 4.1%. وأشار وورش إلى أن تحسن بعض قراءات التضخم خلال الصيف لا يكفي لإثبات أن الاتجاه الأساسي للأسعار يتحرك نحو هدف 2% بسرعة مقنعة.
كما أوضح أن الضغوط السعرية لا تزال واسعة، إذ سجل نحو 54% من مكونات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي ارتفاعات تجاوزت 3% خلال العام الماضي. ولخص موقفه بالتأكيد أن الفدرالي يجب أن يكون واثقاً من عودة التضخم إلى هدفه بصورة واضحة وبسرعة كافية، وإلا فسيظل أمامه «المزيد من العمل».
وبعد هذا الخطاب المتشدد، جاء تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر أغسطس ليعزز احتمال رفع الفائدة. فقد أضاف الاقتصاد الأميركي 162 ألف وظيفة، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف التوقعات البالغة 56 ألفاً، في أكبر زيادة شهرية خلال خمسة أشهر. كما عُدلت قراءة يوليو من خسارة 23 ألف وظيفة إلى إضافة 21 ألفاً، ما أظهر أن سوق العمل كانت أقوى مما أشارت إليه التقديرات الأولية.
واستقر معدل البطالة عند 4.1%، رغم ارتفاع حجم القوة العاملة بنحو 683 ألف شخص، بينما صعد معدل المشاركة من 61.4% إلى 61.6%. وقاد التوظيف كل من قطاع الترفيه والضيافة والتعليم الحكومي، إلى جانب مكاسب في البناء والتصنيع والرعاية الصحية.
ورغم قوة الأرقام، تباطأ نمو الأجور إلى 3.1% سنوياً من 3.2%، ما يشير إلى أن سوق العمل ليست المصدر الرئيسي للتضخم. لكن التقرير أكد في الوقت نفسه أن الاقتصاد قادر على تحمل فائدة أعلى، ومنح الفدرالي مساحة أكبر للتركيز على الأسعار بدلاً من القلق بشأن البطالة.
وبالتوازي مع ذلك، أضاف ارتفاع أسعار الطاقة خطراً تضخمياً جديداً. فقد دفعت التوترات الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات أسعار النفط إلى الارتفاع، مع صعود خام برنت بنحو 7.6% خلال أسبوع والخام الأميركي بنحو 10%. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تنتقل زيادة تكاليف الطاقة إلى النقل والإنتاج وأسعار المستهلكين، ما يصعب مهمة الفدرالي.
لكن السياسة النقدية ليست السبب الوحيد لارتفاع العوائد. فاقتراب الدين العام الأميركي من 40 تريليون دولار أصبح عاملاً هيكلياً مؤثراً، خصوصاً على السندات طويلة الأجل. ومع استمرار العجز المالي، تحتاج وزارة الخزانة إلى إصدار كميات كبيرة من السندات لتمويل الإنفاق وإعادة تمويل الديون المستحقة.
ولا يؤدي ارتفاع الدين تلقائياً إلى ارتفاع العوائد، إلا أن زيادة المعروض من السندات تتطلب طلباً أكبر من البنوك والصناديق وشركات التأمين والمستثمرين الأجانب. وإذا لم ينمُ الطلب بالسرعة نفسها، فقد تضطر الخزانة إلى تقديم عوائد أعلى لجذب المشترين.
كما تنشأ حلقة ضغط متبادلة: ارتفاع الدين يزيد الاقتراض، وارتفاع العوائد يرفع تكلفة خدمة الدين، ما يوسع العجز ويؤدي إلى إصدارات إضافية. ويؤثر ذلك بصورة أكبر في عوائد السنوات العشر والثلاثين، بينما يبقى عائد السنتين أكثر ارتباطاً بقرارات الفدرالي.
بعد تقرير الوظائف، ارتفعت احتمالات زيادة الفائدة في اجتماع 15 و16 سبتمبر إلى نحو 65%، قبل أن تتراجع إلى قرابة 58%. وسيكون تقرير التضخم المقبل العامل الحاسم. فإذا بقي التضخم مرتفعاً، قد يرفع الفدرالي الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%-4.00%. أما إذا سجل تباطؤاً واضحاً، فقد يختار التثبيت مع الإبقاء على لهجة متشددة.
في المحصلة، يعكس ارتفاع العوائد تفاعل ثلاثة عوامل مترابطة: اقتصاد قوي يسمح للفيدرالي بالتشدد، تضخم لا يزال أعلى من الهدف، ودين عام ضخم يفرض المزيد من الإصدارات. لذلك، وحتى إذا ثبت الفدرالي الفائدة في سبتمبر، قد تبقى العوائد طويلة الأجل مرتفعة بفعل المخاطر المالية وارتفاع تكلفة تمويل الدين الأميركي.
مقال رأي| قرار الاحتياطي الفدرالي.. هل يثبت الفائدة أم يفاجئ الأسواق؟
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي